ابن قيم الجوزية
71
الروح
( الثالث ) تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه . ( الرابع ) تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة ، وقد ذكرنا في أول الجواب من الأحاديث والآثار ما يدل على ردها إليه وقت سلام المسلم ، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة . ( الخامس ) تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا . وأما قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى « 1 » فإمساكه سبحانه التي قضى عليها الموت لا ينافي ردها إلى جسدها الميت في وقت ما ردا عارضا لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا . وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ ، فإن النوم شقيق الموت ، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت حاله متوسطة بين الحي والميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه ، كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت ، فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة . وأما إخبار النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن رؤية الأنبياء ليلة أسري به ، فقد زعم بعض أهل الحديث أن الذي رآه أشباحهم وأرواحهم قال : فإنهم أحياء عند ربهم ، وقد رأى إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ورأى موسى قائما في قبره يصلي ، وقد نعت الأنبياء لما رآهم نعت الأشباح فرأى موسى آدما ضربا طوالا كأنه من رجال شنوءة ، ورأى عيسى يقطر رأسه كأنما أخرج من ديماس « 2 » ، ورأى إبراهيم فشبهه بنفسه .
--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية 42 . ( 2 ) الديماس بالكسر : السرب ، وفي حديث عن المسيح أيضا : « إنه سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس » يعني من نضرته وكثرة ماء وجهه أي : كأنه خرج من كن لأنه قال في وصفه : كأن رأسه يقطر ماء .